سيد محمد طنطاوي
109
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يشجعانهم على قتالهم . وقراءة من قرأ : * ( يَخافُونَ ) * - يضم الياء - شاهدة له . وكذلك . أنعم اللَّه عليهما » « 1 » . والذي نراه أن الرأي الأول أرجح وهو أن الرجلين من بني إسرائيل ، وأن قوله - تعالى - * ( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمَا ) * صفتان للرجلين وأن مفعول يخافون محذوف للعلم به وهو اللَّه - تعالى - أي : يخافون اللَّه ويخشونه لأن هذا هو الظاهر من معنى الآية ، وهو الذي صدر به المفسرون تفسيرهم للآية ، ولأنه لم يرد نص يعتمد عليه في أن أحد الجبارين قد آمن وحرض بني إسرائيل على قتال قومه ، بينما وردت الآثار في بيان اسمى الرجلين وأنهما كانا من الاثني عشر نقيبا - كما سبق أن ذكرنا - وقوله - تعالى - * ( ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوه فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ ) * تشجيع من الرجلين لقومهما ليزيلا عنهم الخوف من قتال الجبارين . أي : قال الرجلان اللذان يخافان اللَّه لقومهما : ادخلوا على أعدائكم باب مدينتهم وفاجئوهم بسيوفكم ، وباغتوهم بقتالكم إياهم ، فإذا فعلتم ذلك أحرزتم النصر عليهم ، وأدركتم الفوز ، فإنه « ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا » . قال صاحب الكشاف : فان قلت : من أين علما أنهم غالبون ؟ قلت : من جهة إخبار موسى بذلك . ومن جهة قوله - تعالى - * ( كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * . وقيل : من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة اللَّه في نصرة رسله ، وما عهدا من صنع اللَّه لموسى في قهر أعدائه ، وما عرفا من حال الجبابرة » « 2 » . وقوله - تعالى : * ( وعَلَى اللَّه فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * دعوة من الرجلين المؤمنين لقومها ، بأن يكلوا أمورهم إلى خالقهم بعد مباشرة الأسباب ، وأن يعقدوا عزمهم على دخول الباب على أعدائهم ، إن كانوا مؤمنين حقا ، فإن النصر يحتاج إلى تأييد من اللَّه - تعالى - لعباده ، وإلى توكل عليه وحده ، وإلى عزيمة صادقة ، ومباشرة للأسباب التي توصل إليه . ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هذين الرجلين المؤمنين ، لم تصادف من بني إسرائيل قلوبا واعية ، ولا آذانا صاغية بل قابلوها بالتمرد والعناد وكرروا لنبيهم موسى عليه السلام - نفيهم القاطع للإقدام على دخول الأرض المقدسة ما دام الجبارون فيها فقالوا - كما حكى القرآن عنهم : * ( يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها ) * . أي : قالوا غير عابئين بالنصيحة . بل معلنين العصيان والمخالفة : يا موسى إنا لن ندخل
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 630 ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 126